فوزي آل سيف
98
أعلام من الأسرة النبوية
قليل منهم، وثبت المخلصون، وفي هذه الأثناء كان وحشي وهو غلام لجبير بن مطعم، كان قد أطمعه سيده أن يعتقه لو قتل أحد ثلاثة: النبي أو حمزة أو عليا، ثأرا لمقتل أخيه في بدر.. وكانت قد وعدته هند أن تعطيه من الذهب ما يشاء إن فعل ذلك، وظل يتربص وهو يعلم كما قال أنه لا يستطيع الوصول إلى النبي، وأما حمزة فكان كما قال لو رآه نائما لما أيقظه من هيبته وأما علي فكثير الالتفات.. لكن قضاء الله إذ يجري أتاح له أن ينشغل حمزة بقتال من أمامه، وهو يهدُّ الرجال هداً كما وصف، فوجه إليه الحربة من بعيد ــ وكان راميا ماهرا بها ــ فوقعت أسفل بطنه، واخترقت أحشاءه، وتهاوى أسد الله على أثر ذلك ينزف ليقضي راضيا مرضيا.. وبينما وقع حمزة على الأرض، بادر وحشي إلى هند بنت عتبة يبشرها بما فعل! وقص عليها القصة، لتأتي بدلالته إلى مكان مصرع حمزة، وأخذت تأمر وحشيا بحقد لا مثيل له: مزق بطنه! اقطع أذنيه! استخرج كبده! وكانت قد صممت على أن تأكل من كبده! ومن هنا استحقت هند لقب (آكلة الأكباد) كما نجد في بعض المرويات في كتب الإمامية! المنظر الذي بقي من بدن حمزة عمِّ النبي كان مفجعا للغاية، لذلك قالوا إن النبي صلى الله عليه وآله، أمر ألّا تقرب منه صفية أخته، لكيلا تُصدم بما حصل لبدنه الشريف! لكن لما أوصلت إليه أنه إنما أعطى ذلك في سبيل الله وأنها تحتسبه عند ربه، قيل إنه أذن لها في رؤية بدنه! بل وأن تنصب النياحة عليه بمشاركة النبي صلى الله عليه وآله وابنته فاطمة.. قالوا: إن النبي بعدما رجع إلى المدينة قصد بيت صفية فكان يبكي وينشج، وهي تفعل ذلك أيضا! " و ذكر الواقدي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يومئذ إذا بكت صفيّة يبكي و إذا نشجت ينشج. قال: و جعلت فاطمة تبكي فلمّا بكت بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله.(و روى ابن مسعود قال: ما رأينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله باكيا قطّ أشدّ من بكائه على حمزة بن عبد المطّلب لما قتل- إلى أن قال:- و وضعه في القبر ثمّ وقف صلّى اللّه عليه و آله على جنازته و انتحب حتّى نشغ[254] من البكاء"..[255] بل أمر بالنياحة على حمزة والبكاء عليه من باقي المسلمين، ولا سيما الأنصار في المدينة، فإنه بعدما سمع نياحة نساء الأنصار على أقاربهن، قال متأثرا: لكن حمزة لا بواكي له! (وذلك لأن قدوم بني هاشم للمدينة لتوه قد حدث منذ ثلاث سنين فلم يكتمل لهم عدد كبير أو عوائل كثيرة)، فلما سمع رجال الأنصار وزعماؤهم ذلك ورأوا تأثر النبي، عزموا على نسائهم ألّا تنوح إحداهن على زوج أو أب أو ابن إلا وبدأت بذكر حمزة والبكاء عليه!! وبالفعل فقد صارت هذه سنة عند أهل المدينة، يذكر الباحثون أنها استمرت إلى فترات متأخرة جدا.. ولهذا نرى موقع سيد الشهداء حمزة عند أهل المدينة كبيرا وكرامته عليهم عظيمة، ولا يتأخر في هذا أتباع مدرسة الخلفاء عن أتباع أهل البيت عليهم السلام، نعم أصحاب الاتجاه الأموي في المسلمين لا يعتنون بأبطال الإسلام ولا يعتبرون لهم كرامة خاصة، بل بموتهم يعتبرون أنهم عدموا وانتهت آثارهم وفائدتهم، ولا شيء يرجى منهم!
--> 254 ) نشغ: شهق حتى كاد يغشى عليه.. 255 ) الطبري ؛ محب الدين: ذخائر العقبى 2/ 311